إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
366
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
رَأَيْتُهُ مَأْخُوذًا بِهِ فِي ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ الْآخِذَةِ لِلتَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ بِالتَّبَعِ ( 1 ) . وَلَوْ تُتُبِّعَ هَذَا الْبَابُ لَكَثُرَتْ مَسَائِلُهُ وَانْتَشَرَتْ ، وَظَاهِرُهَا أَنَّهَا اسْتِحْسَانَاتٌ ( 2 ) اتُّخِذَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ، وَالْقَوْمُ - كَمَا تَرَى - مُسْتَمْسِكُونَ بِالشَّرْعِ ، فَلَوْلَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَاحِقٌ بِالْمَشْرُوعَاتِ ، لَكَانُوا أَبْعَدَ الناس منها ، فدل ( 3 ) عَلَى أَنَّ مِنَ الْبِدَعِ ( 4 ) مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، بل إن منها ما هو محمود ( 5 ) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . ( وَالْجَوَابُ ) ( 6 ) أَنْ نَقُولَ - أَوَّلًا - : كُلُّ مَا عَمِلَ بِهِ الْمُتَصَوِّفَةُ الْمُعْتَبَرُونَ فِي هَذَا الشَّأْنِ لَا يَخْلُو : إِمَّا ( 7 ) أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثبت له أصل في الشريعة أو ( 8 ) لَا ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ فَهُمْ خُلَقَاءُ بِهِ ، كَمَا أَنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خُلَقَاءُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، وَلَيْسَ عَمَلُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ ، لِأَنَّ السُّنَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الْخَطَأِ ، وَصَاحِبَهَا مَعْصُومٌ ، وَسَائِرُ الْأُمَّةِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ إِلَّا ( 9 ) مَعَ إِجْمَاعِهِمْ خاصة ، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دَلِيلًا شَرْعَيًّا ، كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ . فَالصُّوفِيَّةُ كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْعِصْمَةُ ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَتُهَا وَصَغِيرَتُهَا ، فَأَعْمَالُهُمْ لَا تَعْدُو الْأَمْرَيْنِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ : كُلُّ كلام منه ( 10 ) مأخوذ ومتروك ( 11 ) ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلّم .
--> ( 1 ) ساقطة من ( ط ) . ( 2 ) في ( غ ) و ( ر ) : " مستحسنات " . ( 3 ) في ( م ) و ( ت ) : " يدل " ، وفي ( خ ) و ( ط ) : " ويدل " . ( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " ابتدع " . ( 5 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) : " ممدوح " . ( 6 ) من هنا يبدأ المؤلف يجيب عن الكلام المتقدم ، وهو كلام حسن لولا ما فيه من الاختصار ، لأن المؤلف لم يجب عن كل مسألة على حدة ، مع أن الموضع مناسب لرد هذه المحدثات . ويظهر في كلام المؤلف مداراة ظاهرة كما سيأتي . ( 7 ) ساقطة من ( غ ) و ( ر ) . ( 8 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ط ) : " أم " . ( 9 ) في ( خ ) و ( ت ) : " ولا " . ( 10 ) ساقطة من ( خ ) و ( ت ) و ( ط ) . ( 11 ) في ( خ ) و ( ط ) : " أو متروك " .